إحدي السمات الظاهرة لحالة الشوارعيزم في بلدنا السعيد أن يصبح الخطاب الصوتي أو المكتوب منبت الصلة بمعناه أو دلالته إذا كان متعلقا بمصالح الناس.
فقد ارتأي تحالف رجال الحكومة المتنفذين, ورجال الأعمال المتمولين, وإرهابي الصوت والقلم من الصحفيين والإعلاميين المأجورين, إطاحة الناس ومصالحهم إلي أبعد بعيد والنظر إليهم كشعب من السائقين والسفرجية, والخدم, والجناينية, والحراس, والمدلكاتية كل مهمته أن يعمل علي تحقيق راحتهم, والتفاني في إتاحة مجال, أو فسح فضاء يتيح للأقوياء الأثرياء المستكبرين أن يوسعوا المتع استمتاعا.
ومن ثم بات الحديث عن مصالح الناس, كمثل الحديث عن حقوقهم. نغمة سخيفة نشازا, لا تبغي عناصر ذلك التحالف المهيمن الطاغي أن تخدش أسماعها, أو تقض مضاجعها, أو تلفتها إلي مالا تحب الالتفات إليه.
وتحت وطأة الضغط والقهر الاقتصادي ـ الاجتماعي والتعبيرات السياسية والإعلامية عنه تراجع الناس, في غير نظام, إلي هوامش وحواف المشهد العام, وتواضعت مطالباتهم إلي حد بعيد.
فلم نعد نطالب بحقوق في أماكن أو مكانات تؤهلنا لها المعايير الطبيعية والمعرفية والمنطقية, وإنما صار منتهي أملنا أن نطالب بحق الحياة!!
أسطر كلماتي وأنا أقدم في هذا المكان ـ ولأول مرة في تاريخ مزاولتي للمهنة ـ عرض حال شخصي عن الإصابة الصحية المزمنة التي لحقت بي جراء ما يسمي ظاهرة السحابة السوداء, ولكن عزائي واعتذاري أن لما أعرضه جانبا عاما, لأن المشكلة عامة, ولأننا ـ أجمعين ـ نعيش في الظل الظليل لتلك القاذورات الكربونية والكبريتية, وإن كان المشهد في هذا العام ـ علي وجه التحديد ـ اكتسب إضافة مروعة أخري, فصرنا فوق بحر من القمامة علي الأرض, وتحت أفق يغطيه الدخان القاتل في السماء.
ما الذي أفعله حتي أطالب بحقي, وقد عجزت أن أتحصل حقوقي في عدة ملفات أخري؟!
لقد أخذني الهزر والميل إلي السخرية في البداية, فاستضفت الفنان الكبير الأستاذ عادل إمام, في الفترة المفتوحة الإذاعية الرمضانية عازم ولامعزوم في البرنامج العام سنة2004, علي الهاتف, متطرقين إلي حكاية السحابة السوداء التي كان مر ـ وقتها ـ خمس سنوات علي بدء ظهورها علي ذلك النحو المكثف والخانق.
ويومها أطلقنا ـ علي موجات الأثير ـ حالة من التنكيت علي ذلك الصديق الإجباري الجديد الذي تعودنا مصاحبته في شهور الخريف والشتاء من كل عام, وبلغت بنا السخرية مبلغا عظيما فغنيت مع عادل إمام سنه حلوة ياجميل محتفلين بعيد ميلاد السحابة.
ثم حين أحسست ـ بعدها بعامين ـ أننا أمام نوع من المسئولين لا يتأثر بالوخز أو التوبيخ وكنت بدأت أعاني صحيا علي نحو أفصح عن تهديدات جدية رأيت أن أستضيف وزير الدولة لشئون البيئة المهندس ماجد جورج في برنامجي التليفزيوني حالة حوار, وشكوت له وبكيت إذ لا يلتفت إليك أحد في هذه الأيام إلا حين تبكي علي أقل تقدير.. هذا إن التفت.
فإنطلق المهندس ماجد جورج متمنطقا متسلحا بعدد من الأرقام ـ لا أعرف من أين جاء بها ـ مشيرا إلي أن هناك خطة للمواجهة, وسوف يقل تأثير السحابة السوداء تدريجيا عاما وراء آخر, وأن كل شيء تحت السيطرة.
ولم أفطن إلي خواء عبارة تحت السيطرة وانعدام معناها إلا حين تأملت ـ بعد البرنامج ـ طريقة تعامل وزارة البيئة مع حادث هروب تمساح إلي نيل المعادي, حين أصدر أحد مسئولي الوزارة بيانا يقول إن التمساح تحت السيطرة.
أي تمساح.. وأية سيطرة؟!
ثم أين هي خطط مواجهة السحابة التي أعلنني بها الوزير؟
والمدهش أننا فيما ننتظر أن يقل تأثير السحابة تدريجيا ـ عاما بعد عام ـ طبقا للوعد الوزاري, فإن قتامتها وقدرتها علي إيذاء ملايين الرئات والعيون, زادت وتضاعفت, ومع ذلك فقد كان الجهاز الإعلامي السابق لوزارة شئون البيئة, يأخذنا بالصوت ـ كل سنة ـ مشيرا إلي أن تأثير السحابة قل فعلا, وأن نسب المواد الضارة فيه نقصت, داعينا إلي اختبار ذلك بأنفسنا, وكأننا سنستطعم السحابة؟ مثل الخرامنجية في مصانع السجائر, ونري ما إذا كانت ناقصة كبريت, أو زاد فيها الكربون عن المقدار المطلوب.
ما هذا الهزر؟.. تعبنا ـ وعزة جلال الله ـ ولا نجد من نشكو له.
وإذا فتح أحدنا فمه سيجد نفسه أمام تجل جديد لمواهب وزراء هذا الزمان في الحديث الزرب الخلاب خلو المعاني والدلالات, وستحدثنا أجهزة وزارة شئون البيئة ـ علي نحو تمرست عليه وأجادته ـ عن أنها تقيم مصانع بالتعاون مع الصين وغيرها, للاستفادة من قش الأرز بدلا من حرقه, كما أنها عمدت إلي إطلاق حملات توعية للفلاحين, وأن الكربون نقص في السحابة بنسبة13.433% واذهب لتقيس ذلك بنفسك حتي تستطيع أن تحاجي أو تجادل وزارة البيئة, وأن الوزارة تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في موقعة فاصلة أخيرة هرمجيدون ضد السحابة.
وكل ذلك ـ لو أذنتم ـ كلام فارغ, فالتح