طوال ما يزيد علي أربعة عقود, ومهما تباينت رؤانا الفكرية والسياسية, لم ينقطع اتصالنا, وتعمقت صداقتنا, حتي لقائي الأخير معه بصحبة صديق عمرنا المشترك الدكتور عبد المنعم سعيد في المستشفي. وبينما كان حديثنا إليه خلال اللقاء الأخير- شأن محادثتنا الهاتفية معه وهو في باريس- عن أملنا في شفائه, جاء ردنا علي كلماته عن’ رحلة الوداع’ الأخيرة للقاهرة هو اتصالاتنا للتعجيل بإجراءات سفره ومرافقيه إلي أمريكا, أملا في فرصة لاحت للعلاج وإن بدت طفيفة; بعد عودته من فرنسا باستنفاد فرص أفضل علاج له في الخارج.
وفي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كان’ محمد الإنسان’ لقب الصديق محمد السيد سعيد بيننا.. نحن أصحابه من خريجي عام1972, الدفعة العاشرة أو حاملي اللواء العاشر كما أطلقت عليها إحدي مجلات الحائط, أهم المنابر الصحفية بالجامعات في مطلع سبعينيات القرن الماضي. ولا أتذكر من الذي ألصق صفة’ الإنسان’ النبيلة باسمه, لكنه استحقها بغير جدال, لأنه إلي جانب كرمه المعهود وحسه الإنساني العميق كان بين قلة ممن قابلت في حياتي المديدة ينطبق عليه قول ماركس الشهير:’ كل ما هو إنساني.. ليس غريبا عني’. فقد كانت ماركسيته إنسانية النزعة, شأن الماركسية المبكرة قبل أن يلحق بها التشوه, حتي ذاع القول بأن ماركس لو رأي الماركسيين اللاحقين لصاح:’ لست ماركسيا’!!
وقد شاءت الأقدار أن التحقت مع صديقي’ محمد الإنسان’ في ذات القسم بالكلية, وخدمنا معا جنديين بالقوات المسلحة في كتيبتين بذات اللواء في العين السخنة, وعملنا معا بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في وحدة دراساته الاقتصادية, وتواصلنا خلال دراساتنا العليا في روسيا وأمريكا, وعدنا لنعمل معا تحت قيادة أستاذنا وصديقنا السيد يسين, ثم نائبين لصديقنا عبد المنعم سعيد, حتي كان الهاتف وسيلة اتصالي به خلال أشهر علاجه الأخيرة في فرنسا, لأطمئن منه علي صحته, وأتابع وصول تحويلات الأهرام إليه لتغطية جميع تكاليف إقامته للعلاج.
وبعد التخرج إلي كتيبتين بذات اللواء من المشاة الميكانيكية في منطقة العين السخنة انتقلت وصديقي من مركز تدريب المعادي, واستمرت خدمتنا معا ثلاث سنوات قبل وبعد حرب أكتوبر المجيدة, كثيرا ما كان يزورني في موقعي علي طريق ذهابه وإيابه من الإجازات. ورغم نجاته من استشهاد محقق, حين تطوع مع مجموعة جند وضباط بواسل في عملية شبه انتحارية, وقع’ محمد الإنسان’ في أسر العدو الاسرائيلي الذي أخفق في كسر إرادته. فقد خرج صديقي من الحرب والأسر مفعما بالوطنية المصرية التي لم تنتقص منها أمميته, واستمر محاربا صلبا للعنصرية الصهيونية برغم دفاعه الشجاع اللاحق عن السلام العادل.
ولأنني كنت ناصريا طوال سني الجامعة, فقد جاء اشتراكي مع صديقي الماركسي في حركة التضامن مع الثورة الفلسطينية التي تصاعدت بعد عام1970, ثم في الحركة الطلابية الوطنية الديمقراطية حتي عام1972, من مواقع فكرية وسياسية مستقلة, وإن ساهم’ محمد الإنسان’ في اقترابي من اليسار الوطني.
وإلي مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام انتقلنا معا- من عملي بالتجارة الخارجية ومن عمله بوزارة الثقافة بعد انتهاء خدمتنا العسكريةـ للعمل باحثين لبعض الوقت في الاقتصاد السياسي بترشيح أستاذنا الدكتور عمرو محيي الدين, حتي قرر أستاذنا السيد يسين تعييننا بالمركز. وفي وحدة الدراسات الاقتصادية وقبل سفرنا للدراسات العليا تعلمت من صديقي ومعه أهم ما تعلمت وهو الدأب في البحث. ورغم عشقي للمعرفة شأن صديقي, و برغم كثرة ما قرأت طيلة حياتي- وخاصة خلال أكثر من ثماني سنوات في الإعداد لبرنامجي’ دائرة الحوار’ والأهم في السنوات الخمس اللاحقة لعملي رئيسا للهيئة العامة للاستعلامات- استمر صديقي الأوسع ثقافة مني ومن جميع أقرانه بفضل نزعته التي لاتباري للثقافة الموسوعية.
وقد كانت النزعة العلمية الصارمة والنزاهة الفكرية القويمة والعقلية النقدية الموضوعية وراء تفرد صديقي, الذي جعله ـ كما وصفه بحق حوار جاد معه ـ’ أكثر اليساريين ليبرالية, وأكث