 |
|
تصوير : حسام دياب
|
مع توالى الخُطى بعد مفارقة مسجد الطنبغا الماردينى، وعند منعرج الشارع تظهر مئذنة وقبة قجماس الإسحاقى «أحمد أبوحريبة»، فلنتمهل هنا، فلنهدئ الخطو لتأمل النسب، تنبع موسيقى خفية من الانسجام بين المئذنة والقبة، تتقدم القبة بالنسبة للقادم من شارع التبانة، من مسجد الطنبغا الماردينى، خلفها تقوم المئذنة، هذه النسبة الرهيفة لم أعرفها إلا فى مسجد قايتباى بصحراء المماليك، بلغ المصمم درجة من الاتزان والنسبة بين المئذنة والقبة، فكأنهما نغمان يستحيل الاستماع إلى أحدهما دون الآخر، ما بين استدارة القبة وسموق المئذنة فى قجماس الإسحاقى يحار بصرى، يتمهل بحثاً عن السر، سر هذا التناسق، أجىء من الغرب، من ناحية باب زويلة،
يختلف المشهد، فالمقدمة للمئذنة، خلفها القبة، لكن التناسق يبرز فى صور أخرى. لا أعجب من تشابه قجماس الإسحاقى وقايتباى، كلاهما شُيّدا فى عصر واحد، كان قايتباى سلطاناً مهيباً، جليلاً، وكان الأمير قجماس الإسحاقى محمود السيرة..
تفاصيل حياته متزنة، هادئة، مما حيرّنى كيف استطاع بناء هذا المسجد الجميل، الذى يضاهى مسجد السلطان.. طبقا لقيم العصر المملوكى لم يكن مسموحاً بذلك، كان الأقل يراعى الأكبر منزلة، فلا يحاول التفوق عليه أو إيجاد أثر يتجاوز أثره، تماما مثل النادل الذى يبدأ عمله فى مطعم أو ملهى أو فندق، يُنصح ألا يرتدى ساعة ثمينة، أو قميصاً مرتفع السعر، يجب أن يظهر دائمًا وكأنه أقل من أى زبون مظهراً، كذلك العلاقة بين السلطان والأمراء، هنا يحق لى التساؤل: أهو تواضع السلطان قايتباى وثقته بنفسه، أم ذكاء الأمير قجماس؟
على أى حال الرابح هو العمارة الإسلامية المصرية وتراثها. أقترب بطىء الخُطى، تماما مثل التى تنتظره لحظات سعيدة، فيرجئ بدءها خشية أن تنقضى وتتحول إلى ذكرى، كل بداية إيذان بنهاية، ليتنا ندرى!
بمجرد محاذاة البناء يبدأ الجمال يطالعنا، كل تفصيلة قطعة فنية قائمة بحد ذاتها، مستطيلات فوق النوافذ والأبواب عامرة بالزخارف، تبدو أوراق الشجر والزهور مجردة خالية من الحياة إذا لم نعرف ما وراءها، لنتوقف أمام عتب باب السبيل الملحق بالمسجد.
مستطيل، تبدأ الزخرفة بقوس فى المنتصف تماماً، دائماً المركز، أبداً المركز، ما من فن احترم مكانة المركز مثل الفن الإسلامى المصرى الذى ورث خبرة آلاف السنين بما فيها من تأمل ورؤية، تنطلق الدائرة من مركز، كل ما فى الوجود له مركز، لا يدور الكون عبثاً، ثمة مركز، ثمة مدبر، ثمة محرك.
من شبه الدائرة يبدو تجريد زهرة، أقرب إلى زهرة اللوتس، تحتويها زهرة أكبر من نفس النوع، ثم تتدفق الأشكال، كل منها يمكن اعتباره منفصلاً، ويبدو أيضا متصلاً فى عين الوقت.
متصل.. منفصل
هذا قانون يحكم الفن الإسلامى المصرى، تماماً مثل الصلة بين الفرد والنوع، الإنسان فرد مفرد، لكن البشر مع بعضهم يكوّنون الجماعة الإنسانية، هذه العلاقة بين الجزء والكل، بين الجزىء والذرة، هذه العلاقة نجدها فى الأدب أيضا، خاصة فى ألف ليلة وليلة، حيث الحكاية الصغيرة تؤدى إلى حكاية أكبر، حكاية تُولَد من حكاية، تماما مثل الزخرفة، فرع من فرع، زهرة من زهرة، خط من خط، عالم منفصل، متصل، هذا قانون يتجسد أمامنا هنا.
أتوقف أمام دائرة لا مثيل لها، تبهرنى فى السلطان حسن دائرتان من رخام مليئتان بالزخارف عند المدخل، واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، لم أعرف مثيلا لهما فى أى أثر إسلامى، هنا يتجسد ملمح الفرادة، كل مسجد، كل مدرسة، كل سبيل، كل خانقاه، كل بيت، كل وحدة من هؤلاء حالة قائمة بذاتها، غير متكررة، نعم، التشابه فى الهيئة الكلية، قبة ومئذنة، صحن وإيوان، محراب ومنبر، لكن لا القبة تشبه القبة ولا المئذنة تشبه المئذنة، كل عنصر حالة متفردة، غير متكررة وبالتالى يصبح لدينا ثراء وتنوع غير موجود فى العالم الإسلامى كله،
جدار مسجد قجماس الإسحاقى متحف مفتوح، عرض دائم للفن الإسلامى المصرى، أرى أوراق نبات تحيط بدوائر من فيروز أزرق، واللون الأزرق السماوى له مكانة خاصة فى الفن الإسلامى. إنه رمز الأبدية، اللامحدود، المطلق، لون لا يحده حد، ولا يؤطره إطار.
الزخارف المنحوتة فى الحجر هنا لم أعرف لها مثيلا فى كل ما رأيت، ليس فى مصر فقط، ولكن فى العالم، هذه الأكوان من الزخارف تذكرنى بعم مصطفى نقاش النحاس الذى قُدر لى أن أعرفه عن قرب.
عم مصطفى
عرفته فى خان الخليلى، بالتحديد فى رَبْع السلحدار، عندما عملت سكرتيرا للجمعية التعاونية لخان الخليلى فى فترة صعبة، شهدت هزيمة سبعة وستين من هذه المنطقة العامرة بالفنانين، تلك سنوات من حياتى لم أبرز مضمونها بعد، كان رَبْع السلحدار يمثل وحدة متكاملة بنيت فى العصر العثمانى لسكن الفقراء، غرف متجاورة تصطف حول أربعة أضلاع للسكنى،
فى الطابق التحتى متاجر تشكل سوقاً شرقية كأنها لوحة، تحت تعرض التحف، وفى الطابق الثانى تصنع، عشت عامين إلى جوار نقاشى النحاس، وفنانى النقش بالصدف، ورفاء السجاد، والنجار العربى - أرابيسك - عرفت الصناع الكبار، وتفانين كل منهم، كان التعبير المتداول «أنا دلوقتى باخلّق»، تمثل أمامى وجوه الحاج سعيد «صدف» الحاج فتحى «فضة» الحاج القربى «جلود»، من تبقى حتى الآن من الفنانين الكبار صديقى وأخى صالح بدر، يوما سأكتب بالتفصيل عن أيام خان الخليلى، خاصة أننى عشت محنة الخان بعد هزيمة يونيو، وعملت مع المهندس فخرى زكى بطرس المهاجر الآن إلى الولايات المتحدة وكان مديرا للجمعية، عملنا معاً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
كثيراً ما أقف أمام هذه الآثار الفنية، أتأمل روعتها وأتساءل عمن أبدعها، للأسف لم يترك لنا هؤلاء أسماءهم، لم يوقعوا إلا فيما ندر، عندما عايشت الفنانين فى خان الخليلى أدركت أنهم مثل أولئك الذين أبدعوا ومروا فى صمت، لم يعرفهم أحد، من هؤلاء عم مصطفى، كان نحيلا، قصيراً، أشيب الشعر، منحنياً قليلاً لطول الساعات التى أمضاها متقوساً فوق صوانى النحاس التى يتسلمها خالية كصحراء ولا يفارقها إلا وهى عامرة كحقل من الزهور أو سماء من النجوم، كان لديه غرفة لكنه يفضل الجلوس أمامها فى الممر، أن يعمل فى «نور ربنا» كما قال لى،
يبدأ فى التاسعة صباحاً وينتهى قبل الغروب حيث يغادر إلى شارع المعز، متجهاً إلى باب الفتوح، ولابد أنه كان يقيم فى هذه الناحية، رأيته يمشى خفيفا، مسرعا عند القدوم وعند الإياب، رأيته يمشى متمهلاً، بطىء الخُطى،
رأيته يسير متكئا على عصا
رأيته فى آخر ثمانينيات القرن الماضى يمشى الهوينا، يمسك بذراعه أحد أقاربه، كان بصره قد كف عن الرؤية.
فى جميع هذه الحالات لم يتوقف عن النقش، القطعة التى ينقشها لا تتكرر، ويبدأ من المركز، يضرب سطح النحاس أو الفضة بمطرقة صغيرة ليحدد المركز ومنه ينطلق، ليس لديه تصميم مسبق فى الزخارف تتدفق من ذاكرته، من مخيلته، يمضى بها عبر الأزميل والسن المعدنى إلى كل فج، هنا أعمق، هنا أخف، هنا يبرز النقش، هنا يبدو كالهمس، كنت أرقبه صامتاً فى جلسته، فى دأبه، فى استغراقه، أدعو الله أن يهبنى مثل قدراته فى الكتابة، لم يكن ينقش بأصابعه، إنما بنظره، ببصره، ببصيرته، بأنفاسه، الظاهر منها والخفى.
مرة سألته عن هذه الأشكال من أى نبع تفد عليه؟
قال إنه أمضى أوقاتاً طويلة فى المساجد، يتأمل النقوش، يحفظها كما هى، كما تبدو، وإذ يمضى مبتعداً يفككها، يعيدها سيرتها الأولى، خطوطاً، خطوطاً، وبمخيلته أيضا يستأنف النقش، كان متحف الفن الإسلامى أحد مصادره، لكم تأمل القطع التى وصلت إلينا من عصو
|