اهتزت الأرض للمشهد الحزين.. وغضبت الشمس وعبس القمر.. وأحنت الأشجار رءوسها واصفرت أوراقها وسقطت.. وانخرس صوت الحق في الحلوق.. وكفت العصافير عن زقزقتها فوق الأغصان. وادلهمت الدنيا ظلمة وسوادا.. وأبي الفجر أن يشرق بنوره.. وجفت عيون الأمهات بعد طول بكاء وعويل ونواح.. وكحل السهد جفون الخلق وطار النوم من كل العيون.. وانساب دون أن ندري نهر من الدموع أغرق الصدور والبرور والبحور.. ونحن نشاهد علي شاشات الفضائيات أطفال فلسطين والرضع شاخصين المعلقين بثدي امهاتهم بلا حراك.. بلا نفس.. تحسبهم أحياء وما هم بأحياء.. وتسأل: لماذا لا يستيقظون.. انده علي الأطفال يا عم سعيد.. وعم سعيد يبكي.. يتألم ولا يتكلم.. فقد قتلت آلة القتل الاسرائيلية أطفاله بطلقة مدفع غادر وهم يحتمون بجدران مدرسة الأونروا التابعة للأمم المتحدة.. هرعوا يحتمون بها من نيران حاقدة غبية تلاحقهم فيسقطون صرعي وجرحي وموتي مع خمسة واربعين من الأطفال والأمهات في غزة..
إنها الحملة البربرية الاسرائيلية لابادة شعب بأكمله, جرمه وتهمته أنه يريد أن يكون حرا.. اسمه الشعب الفلسطيني.
قلت لعم سعيد وأنا مع كل الدنيا نتأمل الصغار الموتي: أحسبهم نياما يا عم سعيد.. هذه الرضيعة عيناها مفتوحتان.. وهذا الصبي الصغير الذي لم يتجاوز عامه الخامس ينظر إلينا وحدقتاه لا تحيد عنا ؟..
انده عليه يا عم سعيد.. انه نائم.. وأخته نائمة وأمه مسهدة هدتها فرقعة الطلقات وصواريخ طائرات الـ اف16 والمروحيات الاباتشي..
سقط عم عيد علي الأرض منتحبا باكيا: يا سيدي لقد ماتوا.. ماتوا.. حسبنا الله ونعم الوكيل..
وأحزني يا كل أمهات الأرض..أطفال غزة يموتون يقتلون يبادون مع أمهاتهم.. ونحن من حولهم تائهون حائرون.. نقدم كلاما وتصريحات ورقية تليفزيونية.. وعجلة القتل والموت والابادة تدور لم تتوقف لحظة زمان واحدة.. وأنهار من دم وأطفال غزة ينساب لنغرس فيه أقلامنا ونبلل به شفاهنا.. ونكتب كلاما لا يفهمه الأطفال الموتي ونقول كلاما لا يسمعه الأطفال الموتي.. ولن يعيدهم أبدا إلي دنيانا لا الكلام ولا مصمصة الشفاه ولا ملء صحف الأرض سطورا وشعرا ونثرا وخطبا عصماء..
وعجلة الابادة الاسرائيلية لم تتوقف لأن القتل دستورهم والابادة لشعوب الأرض دينهم وشريعتهم في الأرض من يوم أن خلقهم الله.. وعداد الموت والقتل الجماعي الذي تجد فيه أطفال فلسطين وأمهاتهم في مواجهة دبابة متغطرسة أو مدفع شرس أو طائرة تلقي بصواريخها الموجهة بالاسم والمكان وشهادة الموت لشعب قال كلمة لا!
والمحصلة في خزانة آلة القتل الإسرائيلية أكثر من3 آلاف شهيد وجريح بينهم300 طفل حتي الآن ومثلهم من الأمهات والعمات والخالات..
…….
…….
لقد كتبت وقرأت وقلبت في كتب الدين في شريعة اليهود, وفي كتب الله المنزلة الثلاثة: التوراة والانجيل والقرآن.. وفي كتابات قادة إسرائيل وحاخاماتهم وراباياتهم وحكمائهم وفلاسفتهم وحكام دولة البغي والقتل والعدوان.
ويذكرني هنا ما قالته جولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل في حكومة بن جوريون التي وقعت اتفاقية السلام مع مصر قبل واحد وثلاثين عاما.. في بيان لها نشرته صحيفة الصنداي تايمز اللندنية في15 يونيو من عام1969 ـ بعد عامين من النكسة ـ قالت: ليس هناك شعب فلسطيني.. فنحن لم نأت لطردهم خارج بلادهم والاستيلاء علي وطنهم.. فهم لا وجود لهم!!
وقد قال الحق عز وجل في محكم كتابه في سورة الإسراء: وقضينا إلي بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين…
سألت المستشار طه الشريف صاحب كتاب نظرية انقراض اليهود من العالم:
ـ إلي أين تتوقف المذابح الإسرائيلية لأطفال ونساء غزة التي تملأ شاشات التليفزيون في العالم كله بلون الدم الأحمر؟
قال: تلك هي نظرتهم إلي الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين.. سأعود بك إلي ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في عام1974.. ولنقرأ معا مقال كتبه مناحم بارشن قال فيه عن الفلسطينيين والدولة اليهودية: هذا الطاعون الذي أنكرته التوراة لأنهم استولوا علي أرض الميعاد التي وعدنا بها رب إبراهيم يجب علينا أن نكون مثل يشوع من أجل استعادة أرض إسرائيل والاستقرار فيها كما أمرنا الكتاب المقدس ليس هناك مكان علي تلك الأرض لشعب آخر إلا شعب إسرائيل, وهذا يعني أن علينا طرد كل هؤلاء الذين يعيشون عليها.. إنها الحرب المقدسة التي دعا إليها الكتاب المقدس ومن أورشليم نبدأ حكم العالم كله!
أسأله: ومن هو يشوع هذا.. هل هو يسوع المسيح عيسي بن مريم؟
قال: كلا بالطبع.. إنه يشوع تابع سيدنا موسي عليه السلام الذي تولي قيادة اليهود بعده.. وهم لا يزالون تائهين في صحراء سيناء, وقد كان قائدا إرهابيا متعطشا للدماء, حارب مدينة عاي فأحرقها وقتل من كان فيها حتي من استسلم منهم.
ويقول سفر يشوع: وظل يشوع مادا يده بالحربة نحو المدينة حتي تم القضاء علي جميع أهل عاي أما البهائم وغنائم المدينة فقد نهبها الإسرائيليون لأنفسهم بمقتضي أمر الرب الذي أصدره ليشوع وهكذا أحرق يشوع عاي وحولها إلي تل خراب حتي اليوم.
وليشوع سفر خاص باسمه وهو الذي قاد الإسرائيليين إلي أرض فلسطين واحرق مدينة أريحا.
يقول السفر: وهكذا هاجم يشوع كل أرض الجبل والسفح ودمروها وقتل كل ملوكها ولم يفلت منه ناج بل قضي علي كل حي كما أمر الرب إله إسرائيل وهكذا اخضع يشوع المنطقة بدءا من قادش إلي غزة!
ويقول إسرائيل شاحاك في كتاب عنصرية دولة إسرائيل لقد فقدت غالبية شعبي ـ ربهم واستبدلوا به معبودا آخر تماما مثلما عبدوا العجل الذهبي في الصحراء.. أما اسم معبودهم الحديث فهو دولة إسرائيل!
……………..
……………..
مازالت صور الأطفال الصغار والرضع فوق صدور أمهاتهم موتي بلا حراك.. الجميع قتلتهم آلة القتل الإسرائيلية في غزة بدم بارد.. ورئيسهم شيمون بيريز ينكر ويستنكر: من قال إننا نقتل الأطفال؟!
والحقوقيون والمبدعون في العالم كله يسابقون الزمن لنزع جائزة نوبل للسلام من رئيس دولة دستورها القتل ثم القتل ثم القتل!
إن بيريز وباراك وتسيبي ليفني التي جاءت تكذب علي القاهرة.. من نفس طينة وعجينة زعماء الصهيونية الذين يؤمنون ـ كما يقول الصديق المستشار طه الشريف صاحب كتاب انقراض اليهود ـ إن بين كل يهودي أمرا أو صكا إلهيا أن يقتل من هو ضده كما كان يفعل يشوع.. تابع سيدنا موسي الذي كان يقتل كل نفس حية تقف أمام إرادة الرب بل كان يحرق المدن بمن فيها ومن عليها وقد قتلوا الكونت برنادوت لأنه وصف الصهيونية باللصوصية وقتلوا الصهيوني ناتان فريدمان في مدينة القدس, وحكم علي قاتله بالسجن خمس سنوات ثم صدر له عفو بعد سنتين ثم انتخب نائبا في الكنيست.
كما قتلوا بالسم عالم النفس سيجموند فرويد بعد أن شكك في صحة الديانة اليهودية, رغم أنه يهودي الأصل!
كما قتلوا اللورد موين سكرتير الدولة البريطاني بعد أن صرح أن اليهود الحاليين ليسوا هم أحفاد اليهود القدماء ومن ثم لا تحل لهم المطالبة الشرعية بالأرض المقدسة وان اغتياله في القاهرة من صهاينة عصابة شامير التابعة لأسحق شامير!
** ملحوظة من عندي: إن قصة اغتيال اللورد موين الانجليزي في القاهرة تحولت إلي فيلم عربي ـ أبيض وأسود ـ قام بدور البطولة فيه رشدي أباظة ونادية لطفي وزوزو نبيل وأخرجه حسام الدين مصطفي**
…………….
…………….
آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف ولن تتوقف.. وأبو عيسي الأب المكلوم الذي فقد عائلته كلها في لحظة زمان غادرة لم يكف عن النحيب وترديد: حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل.
الأشجار في الوديان أحنت رءوسها.. والعصافير انزوت وانخرست.. وأعلنت الحداد.
اسأل مؤلف كتاب: انقراض اليهود: هل نحن خائفون من القطة النووية الإسرائيلية التي تملك في خزاناتها أكثر من200 قنبلة نووية إلي هذا الحد؟
قال:المقاومة صامدة.. والحق مازال فوق جواده.. ولكن الكتاب الأسود لآلة القتل. صفحاته تغطيها بقع دم الأبرياء في كل عصر وأوان.
هل تريد أن افتح صفح