عبـد العــال

أغسطس 11th, 2009 كتبها د:سيد مختار نشر في , إبراهيم أصلان

عبـد العــال
بقلم إبراهيم أصلان

 
رحل صديقنا عبدالعال الحمامصي‏,‏ لن نلتقيه بعد ذلك أبدا في سرادق تعزية‏,‏ ولا في اجتماعات لجنة القصة بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ ولن يغادر مكانه في عتمة‏(‏ الجوريون‏)‏ ويقترب بطيئا من مكاني لكي نتعانق ويسألني‏:‏
ـ عامل ايه دلوجيت؟

كنا التقينا آخر مرة في اجتماع لجنة القصة بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ جاء شاحب الوجه لا يتكلم‏,‏ عرفنا أنه بانتظار السيدة زوجته لتسلم نتائج بعض التحاليل‏,‏ كان يغالب الإغفاء كمن غلب أخيرا علي أمره‏,‏ وعندما التقت عينانا عبر الطاولة الخشبية دهش كمن يراني أول مرة‏.‏

في المساء اتصلت بمنزله كي أطمئن وقالوا أنه نائم‏,‏ وأن نتيجة التحليل لم تظهر بعد‏,‏ وعلمنا جميعا أن المرض الذي انتشر يصعد الي رئتيه‏,‏ وأن أحدا من المحيطين لم يخبره‏,‏ وهو رحل دون أن يعرف‏.‏

كان بيننا نوع من الود الإنساني الصامت والعميق‏,‏ وأظن أن هذه هي حال علاقته بالكثيرين‏,‏ برغم ذلك لم تجمعنا طوال السنوات جلسة خاصة باستثناء اجتماعات اللجنة‏.‏ المرة الوحيدة التي طال فيها كلانا كانت قبل أقل من أربعين عاما‏.‏ كنت غادرت مبني المواصلات اللاسلكية بشارع رمسيس‏,‏ وملت الي الشارع الجانبي الذي يفصل بينه ومعهد الموسيقي العربية‏.‏ وجدته أمامي يحمل علي كتفه مجموعة من علب الأفلام المعدنية المستديرة والجو حار‏.‏ عاونته علي إنزالها وتصافحنا‏.‏ وقفنا زمنا عند السياج الحديدي نتحدث‏.‏ كنا شبابا نسعي‏.‏ الأحلام كبيرة والأوقات صعبة ولكل ما نوي‏,‏ عرفت انه في طريقه لشركة الانتاج السينمائي في الجانب الآخر من الطريق حيث يعمل‏.‏ وهو قال‏,‏ ضمن ما قال‏:‏ يا راجل‏,‏ أنا عندي أربعين سنة دلوجيت‏,‏ وأوضح أنه لو حسب الوقت الذي قضاه في جلسة حلوة مع فتاة‏,‏ فسوف يجده لا يتجاوز عشر دقائق في هذه السنوات الأربعين‏:‏ عشر دجايج يا إبراهيم أصلان‏,‏ كان جميلا وطيبا‏,‏ وبرغم بعض المآخذ كنت ابتهج برؤيته‏,‏ وأحبه‏.‏

مشوار طويل شقه عبدالعال بالإصرار والمناهدة حتي حقق ما اعتقد أنها أحلامه إلا قليلا‏.‏ النقطة الفاصلة كانت علاقته بالجنرال الراحل يوسف السباعي‏.‏ بين اليسار المصري والسباعي ورجاله ما كان بينهما‏,‏ لكن

المزيد


عودة إلي فضل الله عثمان

أغسطس 4th, 2009 كتبها د:سيد مختار نشر في , إبراهيم أصلان

عودة إلي فضل الله عثمان
بقلم: إبراهيم أصلان

 

(1)‏
فاكر الحاج محمود؟
ـ آه‏.‏
ـ تعيش انت‏.‏
ـ الحاج محمود مين؟

ـ الحاج محمود الفحام‏.‏
ـ بتاع فضل الله عثمان؟
ـ آه

استغربت انه لم يكن مات حتي الان‏,‏ وفكرت ان الواجب يقتضي‏,‏ بعد ما اشرب الشاي‏,‏ ان ارتدي الثياب واذهب الي امبابة لتقديم واجب العزاء وقلت لاحول ولاقوة إلا بالله‏.‏

(2)‏
كنت اجلس في العربة الي جوار الشباك وافكر ان قيامي بواجب العزاء في الحاج محمود بالذات سوف يكون مرضيا لابي وهو يرقد هناك في مثواه الاخير‏,‏ وذلك بسبب علاقة الصداقة التي ربطت بينهما‏,‏ انا لم تكن بيني وبين الحاج علاقة مباشرة ولكنني كنت اري ابي بعد خروجه الي المعاش يقضي معه وقتا من السهرة علي الدكة امام الدكان القاتم‏.‏
وعندما مات ابي كنا ستة من الاولاد والبنات‏.‏

واثناء وقوفي مع اصدقائي في مدخل السرادق جاء وضع يده تحت ابطي وجر قدميه حتي ابتعد بي وسألني‏:‏ محتاج فلوس؟ وانا شكرته وهو قال ان ابي كان حبيبه واذا اردت اي شئ لا اخجل بل اذهب الي شباك البيت واخبط واطلب ما اريد‏..‏ ونظر في وجهي وقال‏:‏ شد حيلك‏,‏ انا عارف انك راجل‏.‏

(3)‏
في طريقي الي فضل الله عثمان دخلت شارع نعمان عبده ومررت ببيت آل كفافي رقم‏18‏ ووجدت المحل الصغير الذي كان يشغله محمود عبد اللطيف مفتوحا وبداخله امرأة في ثياب سوداء‏.‏

المزيد


وقـت إضــافي

يوليو 31st, 2009 كتبها د:سيد مختار نشر في , إبراهيم أصلان

وقـت إضــافي
بقلم :إبراهيم أصلان

 

لابد وانك علمت اذن ان امبابة‏,‏ زمان‏,‏ كانت موطنا لاعداد من افذاذ اللاعبين في شتي المجالات‏,‏ ابطال اوليمبيين في المصارعة والملاكمة وحمل الاثقال‏.‏

وقد ظللنا نردد ونحن صغار حكايات لا اول لها ولا اخر عن هؤلاء الابطال‏,‏ وكم سيطر علينا الوجل ونحن نتذاكر حكاية الرباع الذي نسيت اسمه للاسف‏,‏ ذلك الذي انتهز فرصة انقطاع الكهرباء ووقف يصل الاسلاك العارية في حديقة عوامته المطلة علي الكيت كات‏,‏ وكيف ان التيار وصل فجأة وقضي عليه‏.‏

كان اغلب ابناء امبابة ينتمون الي الطبقة العاملة‏,‏ يعملون ما بين المطابع الامريكية ومصانع الشوربجي الي جانب نادي الجزيرة بملاعب الجولف والتنس وسباق الخيل‏,‏ فضلا عن اندية الزمالك والترسانة والاهلي طبعا كما انها كانت محتشدة باعداد من الاخوان المسلمين ويكاد لايوجد بيت لم يقبض فيه علي واحد منهم عقب حملة عبد الناصر بعد اطلاق النار عليه في‏54.‏

كما كانت موئلا لابناء اليسار المصري باختلاف اجيالهم‏.‏

وفي الليل‏,‏ كنا نري هؤلاء اللاعبين القدامي يتنقلون من هنا الي هناك‏,‏ او يجلسون في مقاهيها بعدما ولي الشباب وانحسرت الاضواء‏,‏ يتجمعون في الاركان المعتمة من مقهي السني او مقهي عوض الله او غيرها‏,‏ نري لاعبي كرة قدم او مدربي تنس ومصارعين ورافعي اثقال وحاملي حقائب الجولف‏,‏ وهؤلاء كانوا يتمتعون بتقدير خاص‏,‏ لان من المعروف ان لاعب الجولف يتعامل مع ثماني عشرة حفرة كل منها تتوج ملعبا مستقلا‏,‏ ويكون عليه ان يسقط كرته في هذا الملعب في خمس ضربات مثلا‏,‏ متخلصا من كل العقبات التي سوف تعترض كرته‏,‏ هضاب او برك مياه او احراش صغيرة مثلا‏,‏ اذا اسقط الكرة بعد اربع ضربات مثلا فقد كسب من الارض نقطة‏,‏ او يتعادل مع الارض او يخسر اذا زادت ضرباته‏.‏

الضربات الاولي تكون طويلة لان هم اللاعب ان يضعها علي رقعة النجيل الناعمة‏,‏ وهنا يأتي دور حامل الحقيبة ومعرفته باتجاهات النجيلة المقصوصة‏,‏ مقاومتها للكرة التي سوف تنزلق من هذا الموضوع او انسيابها من هناك‏,‏ لذلك تري اللاعب يضرب الكرة في اتجاه بعيدا عن الثق

المزيد


من حيــاة طـبيب

يوليو 29th, 2008 كتبها د:سيد مختار نشر في , إبراهيم أصلان

من حيــاة طـبيب
بقلم : إبراهيم أصلان

هذا كتاب ممتع الي أقصي غايات الامتاع‏,‏ فيه ألوان من الفائدة لاتكاد تحصي‏,‏ فيه العبرة وفيه الموعظة وفيه أسوة للشباب وفيه المتعة التي تجدها في كتاب عرف صاحبه كيف يكتبه‏.‏

هذه هي السطور الأولي التي دبجها طه حسين في تقديمه للسيرة التي كتبها رائد طب النساء والولادة الدكتور نجيب محفوظ‏(1882‏ ـ‏1972)‏ والتي أعيد نشرها هذه الأيام في عنوان‏(‏ حياة طبيب‏)‏ عن سلسلة‏(‏ ذاكرة الكتابة‏)‏ التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة‏.‏ ولعلنا نذكر أنه هو الطبيب الذي كان عاون كاتبنا الراحل نجيب محفوظ علي الخروج الي الدنيا بعدما تعذرت ولادته‏,‏ هكذا سمي الكاتب تيمنا باسم النطاسي الشهير‏.‏

وأنا أريد أن أتوقف معك هنا عند هذه الصفحات التي سجل فيها حكاية الكفاح الذي قاده ضد وباء الكوليرا‏,‏ كذلك الكفاح المعاكس الذي قاده الأهالي دفاعا عن هذا الوباء‏,‏ وهو الأمر الذي لن نجد له نظيرا الا في تلك المقاومة المجيدة التي قادها الأهالي دفاعا عن الدجاج‏,‏ أخوتنا في المسكن والمأكل‏,‏ سواء كانت حاملة للانفلونزا أو غير حاملة لها‏,‏ والوسائل المدهشة التي ابتكروها معرضين أنفسهم للاصابة بالمرض الذي أودي بحياة الكثيرين منهم‏.‏

والذي حدث انه في مستهل صيف‏1902‏ كانت الكوليرا قد تفشت بين الحجاج في مكة فقضت علي الآلاف وبينهم كثير من المصريين‏,‏ فلما عاد الحجاج كان بينهم عمدة قرية صغيرة اسمها‏(‏موشا‏)‏ علي مقربة من أسيوط يسكنها حوالي أربعة آلاف من الأهالي وتقوم علي مرتفع‏,‏ أثناء الفيضان تمتليء الحياض من حولها وتصبح مثل جزيرة معزولة‏.‏ وكان هذا العمدة قد جلب معه عشر صفائح من ماء زمزم بعدما كان لحقها ميكروب الكوليرا‏,‏ ولما وصل العمدة الي البلدة وزع الماء علي الأهالي والأحبة فصبوه في آبارهم للتبرك‏,‏

وماهي الا ساعات الا وراحت تحصدهم حصدا‏,‏ في ذلك الوقت كان يندر أن تجد طبيبا مص

المزيد