الباحث عن الحقيقة

معلومات وحقائق .. ومقالات فى جميع المجالات للباحثين عن الحقيقة أهديها لكم .. والأجر والثواب من الله

الأربعاء,آب 27, 2008


الرادع الأصغر في مواجهة الرادع الأكبر‏!‏
بقلم : أمين هويدي

<!--a-->
أهتم كثيرا بقضية الروادع علي اختلاف انواعها‏:‏ التقليدية وتحت التقليدية وفوق التقليدية‏(‏ بيولوجية وكيماوية‏)‏ وكذلك الروادع النووية‏,‏ لانها القلب النابض لإدارة الازمات علي المستويين العالمي والإقليمي‏..‏ وتتفاوت الروادع التي تملكها الدول لظروف كثيرة أهمها التقدم التكنولوجي‏,‏ فالبعض تحت يده روادع صغيرة‏,‏ والبعض يمتلك روادع كبيرة‏,‏ وهنا نجد ان سؤالا خطيرا يطرح نفسه يحتاج الي اجابة دقيقة وهو‏:‏ هل يمكن للرادع الاصغر مواجهة الرادع الاكبر؟ أم ان الفيصل في القضايا السياسية اصبح في يد الدول التي تملك الرادع الاكبر تحسم القضايا كيف ومتي تشاء؟‏!‏

الاجابة علي السؤال مطلوبة وصعبة‏,‏ مما دفعني أبذل محاولة في كتاب لي صدر في طبعتين عامي‏1983‏ و‏1987‏ عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت تحت عنوان الصراع العربي الاسرائيلي بين الرادع التقليدي والرادع النووي وقد أهديته لخطورة ما ورد فيه الي كل اصحاب القرار العرب ولم يصلني الا رد واحد شفاهة من المرحوم الرئيس صدام حسين رئيس العراق في ذلك الوقت‏,‏ تحدث فيه عن رأيه فيما ورد في الكتاب من آراء‏.‏

كان ملخص الرأي الذي انتهيت اليه انه مهما قيل عن القوة الاسرائيلية التي يراها البعض تتراوح بين القوة التقليدية والقدرة النووية‏,‏ فإن الارادة التي لا تعرف التردد في ممارسة الصراع هي الامر الحاسم لمواجهة هذه القوة العدوانية علي أساس بعض المباديء التي توصلنا اليها‏:‏

-‏ ليس المهم في الردع الوسيلة المستخدمة إذ إن الاهم هو النتيجة التدميرية التي تحدث‏,‏ فالتدمير يمكن ان يحدث من أي سلاح نووي او سلاح اخير‏.‏

-‏ توافر العزيمة الصادقة يعوض النقص في حجم التدمير‏.‏

-‏ الرادع الاقل تأثيرا اكثر مصداقية من الرادع الاكبر تأثيرا‏,‏ فتهديد الخصم باستخدام العصا اكثر مصداقية من تهديده باستخدام سكين فالتردد في استخدام السكين بكامل قوتها يعادل عدم وجود أي قيود‏.‏

-‏ أن عامل الشك في حجم التدمير المتوقع وليس القدرة علي حسابه بدقة يرجح جانب الرادع الاصغر‏.‏

-‏ لم يمنع امتلاك أحد طرفي النزاع الرادع النووي الطرف التقليدي الآخر من التحدي‏,‏ فقد تصدت فيتنام التقليدية للولايات المتحدة الامريكية النووية وتصدت الارجنتين التقليدية لبريطانيا النووية في حرب‏(‏ فوكلاند‏)‏ وتصدت أفغانستان التقليدية للاتحاد السوفيتي النووي وتصدت مصر ايام تأميم القناة والعدوان الثلاثي وهي تقليدية لعدوان ثلاث دول منها اثنتان نوويتان هي بريطانيا وفرنسا‏.‏

ولابد من ان يكون الشغل الشاغل للأنظمة العربية هو امتلاك الرادع المصدق الذي يمنع العدوان وتصحيح في نفس الوقت النتائج الخاطئة التي ترتبت علي استخدام اسرائيل لقوتها وفرض امر واقع غير مقبول‏,‏ وتصحيح توازن القوي المختل الذي يسود المنطقة‏,‏ والذي لا يمكن ان يحقق الاستقرار الذي يتحدث عنه الجميع لان الاستقرار لا يمكن ان يتحقق الا في ظل توازن القوي وتوازن المصالح‏,‏ ولا يمكن ان يتحقق توازن المصالح الا اذا تحقق توافر توازن القوي وليس العكس‏,‏ لان القوة هي العامل الحاسم اولا وأخيرا في الصراع‏.‏

حديثنا عن الرادع ليس دعوة للعدوان علي الغير‏,‏ لان الرادع هو استخدام وسائل القتال لمنع عدوان الغير‏,‏ وهو عمل دفاعي ضد العدوان المستمر الاسرائيلي‏,‏ وبداية القتال هو فشل لإدارة عملية الرادع لان القتال يدور بما يعرف بمباديء مختلفة تماما عن التي يدار بها الرادع ومفتاح الموقف كله في الردع في رأينا يتركز في الرادع التقليدي‏,‏ وهو متوافر لدينا من ناحيتين المادية والمعنوية‏,‏ علما بأنه لا يمكن حصولنا علي مظلة نووية عربية الا تحت حماية مظلة عربية تقليدية‏,‏ لأن اسرائيل أعلنت انها ستتصدي لأي محاولة عربية أو إسلامية في الاتجاه النووي في إطار استراتيجية المائة عام التي أعلنها رئيس الوزراء مناحم بيجن التي لا تعترف بالحدود السياسية ولا القوانين الدولية التي تعترض أحلامه الامنية‏,‏ فلا شيء يهتم به الا الامن المطلق لاسرائيل وحدها‏,‏ وعلينا ان نضع هذا في الاعتبار اذا أردنا ان نخرج من الدائرة المفرغة التي ندور فيها‏,‏ لان ردع العدوان الصغير بردع العدوان الكبير‏(‏ الحوار النووي الامريكي الايراني الذي دار مؤخرا يؤيد ذلك‏.‏

ولا يحل ما ينادي به البعض من اخلاء المناطق من ـ الأسلحة النووية ـ أي ما يسمي بالمناطق النظيفة ـ محل حتمية امتلاك الرادع المصدق لاننا ان تمكنا من تنظيف المناطق من المجهودات الذرية فكيف ننظف عقول العلماء الذريين من المعلومات المختزنة في رؤوسهم ؟هذا دعا البعض بجمع هؤلاء العلماء وقطع رؤوسهم ليفصلوا هذه الرؤوس النووية عن الاجساد التقليدية‏!!‏ وقد قامت الولايات المتحدة منذ غزوها العراق بذلك فقامت بالقبض علي كل علماء الذرة العراقيين ولا يعرف مصيرهم بعد ذلك حتي الآن‏.‏

الا ان البعض الآخر ينادي بحرية الانتشار النووي‏,‏ فيصبح لدي كل دولة أسلحة نووية‏,‏ وبذلك يمتلك الكل هذه الروادع المخيفة‏,‏ ويصبح في إمكان الكل من ردع الكل‏.‏ ويصبح الكوكب الذي نعيش فيه كوكبا خطيرا فيه كفايته من اسلحة التدمير الشامل بينما تعاني الشعوب من قلة الغذاء وندرة الماء‏!!‏

واذا تركنا هذا اللغو جانبا فإننا نكرر ما ننادي به دائما من ضرورة حصولنا علي الرادع المصدق سواء علي المستوي القطري او القومي وليس هناك ما يحول دون ذلك لتوفر الاسلحة ومعدات الدفاع إن توافر لها التدريب الجيد والقيادة ذات الكفاءةالممتازة‏..‏ امتلاكنا للرادع يوقف العبث الاسرائيلي عند حده‏,‏ فالولد الشقي يحتاج الي ضربه بالعصا حتي يتخلي عن شقاوته‏.‏