الباحث عن الحقيقة

معلومات وحقائق .. ومقالات فى جميع المجالات للباحثين عن الحقيقة أهديها لكم .. والأجر والثواب من الله

الأربعاء,آب 20, 2008


سناء البيسي والكتابة بالإبرة والخيط‏!‏
مصـــــــر يـا ولاد

<!--a-->
كتبت: ليلـي الراعــي
يحتار المرء كثيرا وهو يقرأ كلمات الكاتبة الصحفية سناء البيسي‏..‏ ويظل السؤال يقفز فوق السطور‏,‏ باحثا دون جدوي عن اجابة والعين تتابع بلهفة وشغف الجمل والعبارات المتشابكة والمعقودة معا في‏(‏ خيط واحد طويل‏):‏ هل هذه قصة قصيرة‏..‏ ام أنها حدوتة شيقة‏..‏ أم لعلها مجرد مشاعر واحساسات اختلجت في وجدانها وعقلها‏..‏ أم هي لون من ألوان‏(‏ القصة الصحفية‏)‏ التي أشار اليها الكاتب الروائي محمد المخزنجي‏..‏ أم هي خليط من كل هذا؟‏!‏

أيا كان‏(‏ العنوان‏)‏ و‏(‏المانشيت‏),‏ الذي تندرج تحته كتابات سناء البيسي‏,‏ فلا نملك في النهاية إلا أن نقدر ونزهو بهذا القلم القصصي العذب الذي استطاع أن يصنع لنفسه أسلوبا خاصا وفريدا في عالم الكتابة‏.‏

تبدو سناء البيسي حينما تكتب وكأنها تمسك بالإبرة والخيط بدلا من القلم‏,‏ وتغزل الخيوط العديدة المتشابكة معا في نسيج واحد متآلف ومتناغم صانعة بيديها ثوبا بديعا‏,‏ او ربما قطعة فنية مطرزة تستعذب العين رؤيتها‏,‏ ويطيب للعقل أن يتأملها مليا‏..‏ فالكلمات والمعاني‏(‏ المعقودة‏)‏ معا في خيط واحد‏,‏ جديرة حقا بالقراءة والتحليل والرصد العميق‏..‏

ورغم‏(‏ نعومة‏)‏ عباراتها‏,‏ وربما أيضا‏(‏ أنوثة‏)‏ رصدها‏,‏ و‏(‏ شقاوة‏)‏ قفشاتها إلا أنها تمس بقوة قضايا ساخنة لمجتمعنا‏,‏ وتنقر بتمكن واقتدار علي سطحه هموما عديدة تحاصرنا وتكاد معها تطبق علي أنفاسنا‏..‏

يلتقط القاريء‏(‏ بين سطورها‏)‏ معاني كثيرة‏..‏ ويفهم‏(‏ بين كلماتها وعباراتها‏)‏ أمورا عديدة‏..‏ حقا لم تقلها الكاتبة هنا بشكل مباشر وصريح‏,‏ لكنها تركت هذه المهمة لذكاء وفطنة قارئها‏..‏ انها تراهن علي قدرته علي‏(‏ ربط‏)‏ و‏(‏ عقد‏)‏ المعاني معا‏,‏ ليخلص هو بنفسه لنتائج واستنتاجات لم يفكر فيها قبلا‏,‏ أو علي الأقل لم يرها من هذا الملمح الخاص الذي رصدته سناء البيسي‏..‏

هذه الكاتبة تجعل قارئها يشاركها في عملية الإبداع والتحليل وإعادة التفكير فلاتجعله أبدا يجلس في كسل واسترخاء ولامبالاة فوق كرسي مريح ووثير‏,‏ مكتفيا بقراءة عباراتها‏,‏ والمرور السريع فوق كلماتها‏..‏ لكنها‏(‏ تشاغله‏)‏ و‏(‏ تداعبه‏)‏ و‏(‏ تشاغبه‏)‏ ولاتتركه في حالة‏..‏ فيجد نفسه تارة يبتسم ويضحك‏,‏ وتارة أخري يقطب ويفكر ويتساءل في حيرة‏:‏ تري هل تقصد هذا المعني ام ذاك؟ وتارة ثالثة تجعله يعيد قراءة جملها وعباراتها الطويلة المتشابكة والمتداخلة والتي تحمل معها اسقاطات مختلفة متباينة‏.‏

في كتابها الجديد‏(‏ مصر ياولاد‏)‏ والذي يضم بين صفحاته مقالاتها الأخيرة التي نشرت في جريدة الأهرام‏,‏ تقدم سناء البيسي تحت عناوين عديدة مختلفة رصدا مجتمعيا عبر‏(‏ لقطات‏)‏ أو ربما‏(‏ مشاهد‏)‏ تصادفنا كثيرا في حياتنا اليومية‏,‏ لكننا في لهاثنا المحموم خلف لقمة العيش ومشاغلنا العديدة التي لاتنتهي لانلتفت إليها‏..‏ فإذ بالكاتبة تضبط كاميرتها الدقيقة المحترفة علي عدسة‏(‏ الزووم‏)‏ فيصير‏(‏ المشهد‏)‏ الصغير العابر بكل مفرداته وتفاصيله الدقيقة‏,‏ واضحا أمام أعيننا‏..‏ ومجسما بكل عناصره المختلفة بل وحيا يكاد يمتثل ويتحرك أمام أعيننا‏..‏ وتلك براعة تحسب بالتأكيد للكاتبة فهي لاترصد‏(‏ لقطة‏)‏ فحسب للقاريء بل تجعله يعيش في تفاصيلها ويستعيد أحداثها‏,‏ ويغرق في بحورها‏..‏

(‏ثقافة الكذب‏),(‏ سلامة الذوق‏)(‏ لعبة الكراسي‏),(‏ قلبي علي ولدي‏)(‏ البلكونة‏),(‏ صاحبه غايب‏),(‏ بيت الأمة‏),(‏ ياأهل المغني‏..‏ وطنا وجعنا‏),(‏ سعادة السفير‏),(‏ غني ياوحيد‏),(‏ أفوتكم بعافية‏),(‏ رايحين فين‏),(‏ المعجباني‏),(‏ المشهلاتي‏)..‏ هذه هي بعض عناوين لقطات وحكايات وحواديت كاتبة‏(‏ معجونة‏)‏ بحب مصر‏..‏ و‏(‏ مهمومة‏)‏ بمشاكلها وأوجاعها‏..‏ و‏(‏صادقة‏)‏ في كلماتها وعباراتها‏..‏

في مقدمتها للكتاب والتي جاءت تحت عنوان‏(‏ الكتابة نسب‏!)‏ تقول سناء البيسي معلقة علي صنوف الكتابة والأقلام‏:‏ في زماننا لم يعد فارق بين وظيفة الكاتب والوظائف الأخري‏,‏ بل أصبحنا نجد الفارق جليا واضحا في المهنة ذاتها‏..‏ بين الكتاب‏(‏ بضم الكاف‏)‏ والكتبة‏..‏ قلم الكتاب متصل بوريد القلب وقلم الكتبة متصل بوريد المصلحة‏..‏ الكتاب يكتبون ماتمليه عليهم ضمائرهم‏,‏ والكتبة يكتبون مايملي عليهم‏..‏ الكتابة انفصلت عن القراءة وتراجعت الموهبة وغدت الثقافة علاقات عامة وموبايلات مسجلا عليها تليفونات أهم الشخصيات‏!‏ وعلي رأي توفيق الحكيم‏:‏ في هذا الزمان أصبحت الأقدام أهم من الأقلام‏..‏

هكذا ترصد لنا سناء البيسي بوضوح وجلاء الفارق بين مهنة ومهمة‏(‏ الكاتب‏)‏ النبيلة والشريفة وبين وظيفة الكتبة‏(‏ الحرفيين‏)‏ ـ وما أكثرهم ـ الذين يكتبون مايملي عليهم‏,‏ أو الذين يخطون كلمات وسطورا تخدم مصالحهم وأغراضهم‏.‏

هناك كلمات تظل محفورة في القلب والوجدان لاينال منها الزمان أبدا‏..‏ وهناك كلمات يمحوها العقل وتلفظها العين ما إن يضع المرء الصحيفة جانبا‏!‏

صدر الكتاب عن نهضة مصر‏.‏